مصطفى لبيب عبد الغني

82

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وفي كتاب « المرشد أو الفصول » يبيّن الرازي لنا تصوره لهذه الخاصية العامة للحكم التجريبى والعبرة عنده أن يكون التأثير ملحوظا دائما لأن تخلّفه في حالة واحدة نافية يبطله ويلغيه . يقول الرازي : « يحتاج أن يعرف لحفظ الصحة ومداواة الأسقام ما تفعله الأدوية والأغذية بجوهرها وطبائعها ، لا بالعرض في البدن المعتدل . فالدواء قد يعمل بجوهره ، ويعمل بالعرض ، إلّا أن الفعل الجوهري لازم له في كل حال . وإنما يحتاج أن يعرف فعل الدواء في البدن المعتدل ، لأن الأبدان الخارجة عن الاعتدال بلا نهاية ، فليس يمكن من أجل ذلك أن يعرف فعل الدواء في كل واحد منها . فلذلك وجب أن يعرف فعله في البدن المعتدل ، ثم يحدس منه على غير المعتدل حدسا مقرّبا » « 1 » . وأمانة العالم المجرب تتمثل عند الرازي في التأكد بنفسه مما توصل اليه الآخرون في تجاربهم ، وهذا أمر يتفق تماما مع منطق المنهج التجريبى نفسه فالممارسة والخبرة الذاتية هي المحك في قبول أو رفض القضايا العلمية ، حتى وإن كانت يزعم أنها قضايا تجريبية لازمة عن الخبرة والممارسة في بحوث السابقين . ومن ذلك قوله - تعقيبا على وصف جالينوس لعلاج الحصاة في المثانة - « وجربته فلم أره ينفع شيئا ، لكني وجدته في الحصى المتولد في الكلى نافعا عجيبا » « 2 » ، وقوله في وصف دواء جرّبه « فإنك ترى ما يتعجب من فعله وقد امتحناه وجربناه بحسب ما قاله فيلاغريوس » « 3 » ، ويقول أيضا مستدركا على جالينوس : « عجبنا من جالينوس كيف ضاد هذا المذهب حتى ضرّ العليل ولم ينفعه وأما أنا فقد جرّبته وامتحنته » « 4 » ، ويقول متشككا في بعض تدابير جالينوس : « وليس هذا فعل عالم بالطب » « 5 » ، ويقّر بعضها بعد فحص

--> ( 1 ) الرازي : « المرشد أو الفصول » ص 33 . وفي هذا ما بذكرنا بما سوف يقوله من بعد ابن سينا : « ينبغي أن يراعى استمرار فعل الدواء على الدوام أو على الأكثر فإن لم يكن كذلك فصدور الفعل عنه بالعرض لأن الأمور الطبيعية تصدر عن مبادئها إما دائمة وإما على الأكثر » . ( ابن سينا : القانون ج 1 ص 115 . 116 ) . ( 2 ) الرازي : « مقالة في الحصى في الكلى » ص 86 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 116 . ( 4 ) الرازي : « الحاوي » ج 4 ص 44 . ( 5 ) المصدر السابق ، ج 14 ، ص 25 .